كتب/ حسني داخلي محمد
أكدت المائدة المستديرة السابعة والعشرون التي نظمتها «إنفستجيت»، تحت عنوان “مرحلة ما بعد البيع: إدارة المشروعات والمجتمعات والمدن“، على أن القطاع العقاري المصري دخل مرحلة جديدة من النضج، لم يعد فيها النجاح مقصورًا على سرعة البناء والتسليم، بل أصبح مرتبطًا بشكل وثيق بكفاءة الإدارة والتشغيل طويلة الأجل.
وشهدت المائدة، التي استضافتها قاعة «ألف ليلة وليلة» بفندق النيل ريتز كارلتون، حضورًا رفيع المستوى من قيادات القطاعين الحكومي والخاص، حيث ناقش المجتمعون سبل تحويل المشروعات العقارية إلى كيانات تشغيلية منتجة قادرة على الحفاظ على قيمتها وتحقيق عوائد مستدامة في مرحلة ما بعد التسليم.
تحول جوهري في معايير النجاح
في كلمتها الافتتاحية، أكدت الأستاذة صفاء عبد الباري، المدير العام ومدير تطوير الأعمال بشركة «إنفستجيت»، أن هذا الحدث يأتي في توقيت بالغ الأهمية يشهد فيه السوق العقاري المصري مرحلة نضج حقيقية. وقالت: “لم يعد النجاح مرتبطًا فقط بحجم التطوير أو سرعة التنفيذ، بل بمدى كفاءة إدارة المشروعات وتشغيلها بعد التسليم”، مشددة على أن القطاع ينتقل نحو التشغيل الاحترافي والحوكمة كعناصر أساسية للحفاظ على القيمة وبناء مصادر دخل مستدامة.
من جانبه، أوضح الأستاذ عمرو القاضي، المؤسس والعضو المنتدب لشركة «AKD الاستشارية» ومدير الجلسات، أن معايير النجاح تطورت من المبيعات إلى التسليم، وأصبحت اليوم تركز على التشغيل والإدارة. وأضاف: “التشغيل ليس مجرد خدمات يومية، بل هو منظومة متكاملة تهدف إلى الحفاظ على قيمة الأصول وتعزيز جاذبيتها، وضمان استمرارية الطلب عليها“.
دعوات لإنشاء جهاز تنظيمي وتشريعات واضحة
برزت خلال الجلسات توصية قوية بضرورة وجود كيان تنظيمي متخصص يشرف على مرحلة ما بعد البيع. حيث دعا الدكتور عبد الخالق إبراهيم، عضو مجلس النواب، إلى إنشاء جهاز أو هيئة مستقلة لتنظيم السوق العقاري، على غرار جهاز تنظيم الاتصالات، لضبط آليات التشغيل والصيانة وترسيخ قواعد الحوكمة. وأشار إلى أن نموذج اتحاد الشاغلين لم يعد صالحًا للمشروعات الكبرى متعددة الاستخدامات، مثل المدن الجديدة ذات الطابع التكنولوجي المعقد.
واتفق معه الأستاذ محمد سليم، مدير عام البحوث وتطوير الأعمال بالبورصة المصرية، مشيرًا إلى أن غياب جهة تنظيمية تراجع القوائم المالية تمثل تحديًا كبيرًا أمام الشفافية، مما يستدعي وجود هيئة مستقلة تضبط المعايير المالية والإفصاحية.
الحكومة: التشغيل معيار أساسي للترخيص والاستدامة
من جهته، شدد الدكتور مصطفى منير، رئيس الجهاز التنفيذي للهيئة العامة للتنمية السياحية، على أن الحفاظ على كفاءة المنظومة التشغيلية لم يعد خيارًا بل ضرورة استراتيجية، مؤكدًا أن الهيئة تضع ضوابط صارمة للتشغيل منذ اليوم الأول، مع متابعة دورية بعد إصدار الرخص لضمان الالتزام بالمعايير.
وأكد المهندس خالد صديق، رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية، أن السمعة الحقيقية للمطور تُبنى من كفاءة التشغيل بعد التسليم. وكشف عن إمكانية توظيف ودائع الصيانة بشكل استثماري عبر إنشاء أنشطة تجارية داخل المشروعات لتعزيز عوائدها، بدلاً من قصرها على التغطية الأمنية.
بينما استعرضت الدكتورة مي عبد الحميد، الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي، تجربة الصندوق كأكبر مطور في مصر، مشيرة إلى نجاح نموذج استثمار ودائع الصيانة بعوائد تراوحت بين 25% و28%، ودعت إلى إنشاء مؤشر رسمي لأسعار العقارات (House Price Index) لتعزيز الشفافية ودعم القرار الاستثماري.
المطورون: الاحتفاظ بنسبة من المشروع وبناء القدرات
استعرض المطورون العقاريون تجاربهم في هذا المجال، حيث أكد المهندس أيمن عامر، المدير العام لمجموعة «سوديك»، على أهمية الفصل بين المصمم والمشغل، مشيرًا إلى أن التصميم الموجه تشغيليًا هو حجر الأساس لنجاح أي مشروع.
وكشف الأستاذ إبراهيم المسيري، الرئيس التنفيذي لمجموعة «Somabay»، عن تطور نموذج الإيرادات في السوق، حيث يحتفظ المطورون بنسبة تتراوح بين 10% و20% من المشروعات لأغراض التأجير والإدارة الفندقية، لضمان تدفقات نقدية مستقرة وتعزيز العوائد التشغيلية.
واتفق معه المهندس أحمد أهاب، الرئيس التنفيذي لشركة «مدار للتطوير العقاري»، مؤكدًا أن مصادر الإيرادات الأكثر استدامة ترتكز على المكونات التجارية والإيجارية وإدارة المرافق، مشيرًا إلى أهمية الاستثمار في التدريب الداخلي للكوادر البشرية.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يقودان المستقبل
شهدت الجلسات نقاشًا موسعًا حول دور التكنولوجيا في إدارة المجتمعات. وأوضح المهندس محمد عزمي عطية، رئيس قطاع المدن الذكية بشركة «أورنج مصر»، أن دمج التكنولوجيا منذ مرحلة التصميم يسهم في رفع كفاءة المشروع وتقليل تكاليف التشغيل.
كما تناول المهندس بدير رزق، الرئيس التنفيذي لشركة «باراجون | أدير»، إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي لإرسال إشعارات تلقائية عند حدوث أعطال، مؤكدًا أن برمجة المدن يجب أن تنطلق من المخطط الرئيسي نفسه لتكون بنية تحتية رقمية تؤهلها لتكون مدنًا ذكية.
في ختام النقاشات، أجمع المشاركون على أن تحويل المشروعات العقارية إلى مجتمعات مستدامة يتطلب تكامل الرؤى بين المطور والمشغل والمشرع، مع ضرورة إعادة هيكلة الإجراءات، وبناء القدرات البشرية، وتوظيف التكنولوجيا، ومراجعة الأطر الضريبية المحفزة للتشغيل، لضمان أداء مستدام للأصول وقدرة تنافسية عالية للسوق المصري على المدى الطويل.
حظيت المائدة المستديرة برعاية رسمية من شركة مدينة مصر، وشراكة بلاتينية من Somabay، باراجون | أدير، وCred Developments، إلى جانب مشاركة واسعة من نخبة الشركات المتخصصة في الإدارة والتشغيل والحلول التكنولوجية.











